فصل: عبدالمطلب يلي السقاة والرفادة

الموسـوعـة القــرآنية
تفسير القـرآن الكريــم
جامع الحديث الشريف
خـــزانــــــــة الكـــتــب
كـــتــــب مــخـــتــــارة
الـكـتـاب الــمسـمــــوع
الفـهــرس الشــــــامـل
الــــرســـائل العـلــمية
الـــــدروس والخــطـب
أرشـــيف الـفتــــــــوى
رمـــضـــــانـــيـــــــات
روائــــــــع مختـــــارة
مجلـة نـــداء الإيمــان
هدايا الموقع
روابط مهمة
خدمات الموقع
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: سيرة ابن هشام المسمى بـ «السيرة النبوية» **


 ذكر ما جرى من اختلاف قريش بعد قصي ، وحلف المطيبين

 النزاع بين بني عبدالدار وبني أعمامهم

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ ثم إن قصي بن كلاب هلك ، فأقام أمره في قومه وفي غيرهم بنوه من بعده ، فاختطوا مكة رباعا - بعد الذي كان قطع لقومه بها - فكانوا يقطعونها في قومهم وفي غيرهم من حلفائهم ويبيعونها ؛ فأقامت على ذلك قريش معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع ، ثم إن بني عبد مناف بن قصي عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلا أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبدالدار بن قصي مما كان قصي جعل إلى عبدالدار ، من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة ، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم ؛ فتفرقت عند ذلك قريش ، فكانت طائفة مع بني عبد مناف على رأيهم يرون أنهم حق به من بني عبدالدار لمكانهم في قومهم ، وكانت طائفة مع بني عبدالدار ، يرون أن لا ينزع منهم ما كان قصي جعل إليهم ‏‏‏.‏‏‏

 من ناصروا بني عبدالدار ، و من ناصروا بني أعمامهم

فكان صاحب أمر بني عبد مناف عبد شمس بن عبد مناف ، وذلك أنه كان أسن بني عبد مناف ، وكان صاحب أمر بني عبدالدار عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار ‏‏‏.‏‏‏

 حلفاء بني عبدالدار وحلفاء بني أعمامهم

فكان بنو أسد بن عبدالعزى بن قصي ، وبنو زهرة بن كلاب ، وبنو تيم بن مرة بن كعب ، وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر ، مع بني عبد مناف ‏‏‏.‏‏‏

وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة ، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب ، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب ، وبنو عدي بن كعب ، مع بني عبدالدار ، وخرجت عامر بن لؤي ومحارب بن فهر ، فلم يكونوا مع واحد من الفريقين ‏‏‏.‏‏‏

فعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ، ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة ‏‏‏.‏‏‏

 من دخلوا في حلف المطيبين

فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا ‏‏‏.‏‏‏ فيزعمون أن بعض نساء بني عبد مناف ، أخرجتها لهم ، فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة ، ثم غمس القوم أيديهم فيها ، فتعاقدوا وتعهدوا هم وحلفاؤهم ، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم ، فسموا المطيبين ‏‏‏.‏‏‏

 من دخلوا في حلف الأحلاف

وتعاقد بنو عبدالدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا مؤكدا ، على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ، فسموا الأحلاف ‏‏‏.‏‏‏

 تقسيم القبائل في هذه الحرب

ثم سوند بين القبائل ، ولُزّ بعضها ببعض ؛ فعبيت بنو عبد مناف لبني سهم ، وعبِّيت بنو أسد لبني عبدالدار ، وعبيت زهرة لبني جمح ، وعبيت بنو تيم لبني مخزوم ، وعبيت بنو الحارث بن فهر لبني عدي بن كعب ‏‏‏.‏‏‏ ثم قالوا ‏‏‏:‏‏‏ لتُفن كل قبيلة من أُسند إليها ‏‏‏.‏‏‏

 تصالح القبائل

فبينا الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب إذ تداعوا إلى الصلح ، على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة ، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبدالدار كما كانت ‏‏‏.‏‏‏ ففعلوا ورضي كل واحد من الفريقين بذلك ، وتحاجز الناس عن الحرب ، وثبت كل قوم مع من حالفوا ، فلم يزالوا على ذلك ، حتى جاء الله تعالى بالإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏‏:‏‏‏ ‏‏‏(‏‏‏ ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة ‏‏‏)‏‏‏ ‏‏‏.‏‏‏

 حلف الفضول

 سبب تسميته كذلك

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ وأما حلف الفضول فحدثني زياد بن عبدالله البكائي عن محمد بن إسحاق قال ‏‏‏:‏‏‏ تداعت قبائل من قريش إلى حلف ، فاجتمعوا له في دار عبدالله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ، لشرفه وسنه ، فكان‏‏ حلفهم عنده ‏‏‏:‏‏‏ بنو هاشم ، وبنو المطلب ، وأسد بن عبدالعزى ، وزهرة بن كلاب ، وتيم بن مرة ‏‏‏.‏‏‏

فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه ، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول ‏‏‏.‏‏‏‏‏

 

حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبدالله بن عوف الزهري يقول ‏‏‏:‏‏‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏‏:‏‏‏ لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت ‏‏‏.‏‏‏

الحسين يهدد الوليد بالدعوة إلى إحياء الحلف

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وحدثني يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهادي الليثي أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه ‏‏‏:‏‏‏

أنه كان بين الحسين بن على بن أبي طالب رضي الله عنهما ، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - والوليد يومئذ أمير على المدينة أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه - منازعة في مال كان بينهما بذي المروة ‏‏‏.‏‏‏ فكان الوليد تحامل على الحسين رضي الله عنه في حقه لسلطانه ، فقال له الحسين ‏‏‏:‏‏‏ أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ، ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لأدعون بحلف الفضول ‏‏‏.‏‏‏

قال ‏‏‏:‏‏‏ فقال عبدالله بن الزبير ، وهو عند الوليد حين قال الحسين رضي الله عنه ما قال ‏‏‏:‏‏‏ وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ، ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا ‏‏‏.‏‏‏

قال ‏‏‏:‏‏‏ فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري ، فقال مثل ذلك وبلغت عبدالرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك ‏‏‏.‏‏‏ فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي ‏‏‏.‏‏‏

سأل عبدالملك محمد بن جبير عن عبد شمس و بني نوفل و دخولهما في حلف الفضول ، فأخبره بخروج بني عبد شمس وبني نوفل من الحلف

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وحدثني يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهادي الليثي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال ‏‏‏:‏‏‏

قدم محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف - وكان محمد بن جبير أعلم قريش - فدخل على عبدالملك بن مروان بن الحكم حين قتل ابن الزبير ، واجتمع الناس على عبدالملك ، فلما دخل عليه قال له ‏‏‏:‏‏‏ يا أبا سعيد ، ألم نكن نحن وأنتم ، يعني بني عبد شمس بن عبد مناف ، وبني نوفل بن عبد مناف في حلف الفضول ‏‏‏؟‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ أنت أعلم ؛ قال عبدالملك ‏‏‏:‏‏‏ لتخبرني يا أبا سعيد بالحق من ذلك ؛ فقال ‏‏‏:‏‏‏ لا والله ، لقد خرجنا نحن وأنتم منه ‏‏‏!‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ صدقت ‏‏‏.‏‏‏

تم خبر حلف الفضول

 هاشم يتولى الرفادة والسقاية و ما كان يصنع إذا قدم الحاج

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ فولى الرفادة والسقاية هاشم بن عبد مناف ، وذلك أن عبد شمس كان رجلا سفارا قلما يقيم بمكة ، وكان مقلا ذا ولد ، وكان هاشم موسرا فكان - فيما يزعمون - إذا حضر الحاج قام في قريش فقال ‏‏‏:‏‏‏ ‏‏‏(‏‏‏ يا معشر قريش ، إنكم جيران الله وأهل بيته ، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله وحجاج بيته ، وهم ضيف الله ، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه ، فاجمعوا لهم ما تصنعون لهم به طعاما أيامهم هذه التي لا بد لهم من الإقامة بها ، فإنه والله لو كان مالي يسع لذلك ما كلفتكموه ‏‏‏)‏‏‏ ‏‏‏.‏‏‏ فيخرجون لذلك خرجا من أموالهم ، كل امرئ يقدر ما عنده ، فيصنع به للحجاج طعاما حتى يصدروا منها ‏‏‏.‏‏‏

 أفضال هاشم على قومه

وكان هاشم فيما يزعمون أول من سن الرحلتين لقريش ‏‏‏:‏‏‏ رحلتي الشتاء والصيف ‏‏‏.‏‏‏ وأول من أطعم الثريد للحجاج بمكة ، وإنما كان اسمه عمرا ؛ فما سمي هاشما إلا بهشمه الخبز بمكة لقومه ‏‏‏.‏‏‏

فقال شاعر من قريش أو من بعض العرب ‏‏‏:‏‏‏

عمرو الذي هشم الثريد لقومه * قوم بمكة مسنتين عجافِ

سُنت إليه الرحلتان كلاهما * سفر الشتاء ورحلة الإيلاف

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ أنشدني بعض أهل العلم بالشعر من أهل الحجاز ‏‏‏:‏‏‏

قوم بمكة مسنتين عجاف *‏‏

 المطلب يلي الرفادة والسقاية

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغزة من أرض الشام تاجرا ، فولي السقاية والرفادة من بعده المطلب بن عبد مناف ، وكان أصغر من عبد شمس وهاشم ، وكان ذا شرف في قومه وفضل ، وكانت قريش إنما تسميه الفيض لسماحته وفضله ‏‏‏.‏‏‏

 زواج هاشم بن عبد مناف

وكان هاشم بن عبد مناف قدم المدينة فتزوج سلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار ، وكانت قبله عند أحيحه بن الجلاح بن الحريش ‏‏‏.‏‏‏

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ ويقال ‏‏‏:‏‏‏ الحريس - ابن جَحْجبى بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ‏‏‏.‏‏‏

فولدت له عمرو بن أحيحة ، وكانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها ، إذا كرهت رجلا فارقته ‏‏‏.‏‏‏

 ميلاد عبدالمطلب و سبب تسميته باسمه

فولدت لهاشم عبدالمطلب ، فسمته شيبة ‏‏‏.‏‏‏ فتركه هاشم عندها حتى كان وصيفا أو فوق ذلك ، ثم خرج إليه عمه المطلب ليقبضه فيلحقه ببلده وقومه ؛ فقالت له سلمى ‏‏‏:‏‏‏ لست بمرسلته معك ؛ فقال لها المطلب ‏‏‏:‏‏‏ إني غير منصرف حتى أخرج به معي ، إن ابن أخي قد بلغ ، وهو غريب في غير قومه ، ونحن أهل بيت شرف في قومنا ، نلي كثير من أمورهم ، وقومه وبلده وعشيرته خير له من الإقامة في غيرهم ، أو كما قال ‏‏‏.‏‏‏

وقال شيبة لعمه المطلب - فيما يزعمون - ‏‏‏:‏‏‏ لست بمفارقها إلا أن تأذن لي ، فأذنت له ، ودفعته إليه ؛ فاحتمله فدخل به مكة مردفه معه على بعيره ، فقالت قريش ‏‏‏:‏‏‏ عبدالمطلب ابتاعه ، فبها سمي شيبة عبدالمطلب ‏‏‏.‏‏‏ فقال المطلب ‏‏‏:‏‏‏ ويحكم ‏‏‏!‏‏‏ إنما هو ابن أخي هاشم ، قدمت به من المدينة ‏‏‏.‏‏‏

 وفاة المطلب و مما قيل فيه من الشعر

ثم هلك المطلب بردمان من أرض اليمن ، فقال رجل من العرب يبكيه ‏‏‏:‏‏‏

قد ظمئ الحجيج بعد المطلبْ * بعد الجفان والشراب المنثغب

ليت قريشا بعده على نصب *

مطرود يبكي المطلب وبني عبد مناف

وقال مطرود بن كعب الخزاعي ، يبكي المطلب وبني عبد مناف جميعا حين أتاه نعى نوفل بن عبد مناف ، وكان نوفل آخرهم هُلكا ‏‏‏:‏‏‏

يا ليلة هيجت ليلاتي * إحدى ليالي القسيات

وما أقاسي من هموم وما * عالجت من رزء المنيات

إذا تذكرت أخي نوفلا * ذكَّرني بالأوليات

ذكرني بالأُزُر الحمر والْ أردية * الصفر القشيبات

أربعة كلهمُ سيد * أبناء سادات لسادات‏‏

ميْت بردمان وميت بسلمان * وميت عند غزات

وميت أسكن لحدا لدى الْ محجوب * شرقي البنيات

أخلصهم عبد مناف فهم * من لوم من لام بمنجاة

إن المغيرات وأبناءها * من خير أحياء وأموت

 اسم عبد مناف وترتيب أولاده موتا

وكان اسم عبد مناف المغيرة ، وكان أول بني عبد مناف هلكا هاشم ، بغزة من أرض الشام ، ثم عبد شمس بمكة ؛ ثم المطلب بردمان من أرض اليمن ثم نوفلا بسلمان من ناحية العراق ‏‏‏.‏‏‏

شعر آخر لمطرود

فقيل لمطرود - فيما يزعمون - ‏‏‏:‏‏‏ لقد قلت فأحسنت ،ولو كان أفحل مما قلت كان أحسن ؛ فقال ‏‏‏:‏‏‏ أنظروني ليالي ، فمكث أياما ، ثم قال ‏‏‏:‏‏‏

يا عين جودي وأذري الدمع وانهمري وابكي على السر من كعب المغيرات

يا عين واسحنفري بالدمع واحتفلي * وابكي خبيئة نفسي في الملمات ‏‏

وابكي على كل فياض أخي ثقة * ضخم الدسيعة وهاب الجزيلات

محض الضريبة عالي الهم مختلق * جلد النجيزة ناء بالعظيمات

صعب البديهة لا نكس ولا وكل * ماضي العزيمة متلاف الكريمات

صقر توسط من كعب إذا نسبوا * بحبوحة المجد والشم الرفيعات

ثم اندبي الفيض والفياض مطلبا * واستخرطي بعد فيضات بجمات

أمسى بردمان عنا اليوم مغتربا * يا لهف نفسي عليه بين أموات

وابكي لك الويل ، إما كنت باكية * لعبد شمس بشرقي البنيات

وهاشم في ضريح وسط بلقعة * تسفي الرياح عليه بين غزات

ونوفل كان دون القوم خالصتي * أمسى بسلمان في رمس بموماة

لم ألق مثلهم عجما ولا عربا * إذا استقلت بهم أدم المطيات

أمست ديارهم منهم معطلة * وقد يكونون زينا في السريات

أفناهم الدهر أم كلت سيوفهم * أم كل من عاش أزواد المنيات

أصبحت أرضى من الأقوام بعدهم * بسط الوجوه وإلقاء التحيات

يا عين فابكي أبا الشعث الشجيات * يبكينه حسرا مثل البليات ‏‏

يبكين أكرم من يمشي على قدم * يعولنه بدموع بعد عبرات

يبكين شخصا طويل الباع ذا فجر * آبي الهضيمة فراج الجليلات

يبكين عمرو العلا إذ حان مصرعه * سمح السجية بسام العشيات

يبكينه مستكينات على حزن * يا طول ذلك من حزن وعولات

يبكين لما جلاهن الزمان له * خضر الخدود كأمثال الحميات

محتزمات على أوساطهن لما * جر الزمان من أحداث المصيبات

أبيت ليلي أراعي النجم من ألم * أبكي وتبكي معي شجوي بنياتي

ما في القروم لهم عدل ولا خطر * ولا لمن تركوا شروى بقبات

أبناؤهم خير أبناء وأنفسهم * خير النفوس لدى جهد الأليات

كم وهبوا من طمر سابح أرن * ومن طمرة نهب في طمرات

ومن سيوف من الهندي مخلصة * ومن رماح كأشطان الركيات

ومن توابع مما يفضلون بها * عند المسائل من بذل العطيات

فلو حسبت وأحصى الحاسبون معي * لم أقض أفعالهم تلك الهنيات

هم المدلون إما معشر فخروا * عند الفخار بأنساب نقيات

زين البيوت التي خلوا مساكنها * فأصبحت منهم وحشا خليات

أقول والعين لا ترقا مدامعها * لا يبعد الله أصحاب الرزيات ‏‏

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ الفجر ‏‏‏:‏‏‏ العطاء ‏‏‏.‏‏‏ قال أبو خراش الهذلي ‏‏‏:‏‏‏

عجَّف أضيافي جميل بن معمر * بذي فجر تأوي إليه الأرامل

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ أبو الشعث الشجيات ‏‏‏:‏‏‏ هاشم بن عبد مناف ‏‏‏.‏‏‏

 عبدالمطلب يلي السقاة والرفادة

قال ‏‏‏:‏‏‏ ثم ولي عبدالمطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب ، فأقامها للناس ، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم ، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه ، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم ‏‏‏.‏‏‏

 ذكر حفر زمزم وما جرى من الخلف فيها

 سبب حفر زمزم

ثم إن عبدالمطلب بينما هو نائم في الحجر إذ أتي فأمر بحفر زمزم ‏‏‏.‏‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وكان أول ما ابتدىء به عبدالمطلب من حفرها ، كما حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن مرثد بن عبدالله اليزني عن عبدالله بن زرير الغافقي ‏‏‏:‏‏‏ أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يحدث حديث زمزم حين أمر عبدالمطلب بحفرها ، قال ‏‏‏:‏‏‏

قال عبدالمطلب ‏‏‏:‏‏‏ إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال ‏‏‏:‏‏‏ احفر طيبة ، قال ‏‏‏:‏‏‏قلت ‏‏‏:‏‏‏ وما طيبة ‏‏‏؟‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ ثم ذهب عني ‏‏‏.‏‏‏ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال ‏‏‏:‏‏‏ احفر برة ‏‏‏.‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏فقلت ‏‏‏:‏‏‏ وما برة ‏‏‏؟‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ ثم ذهب عني ، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال ‏‏‏:‏‏‏ احفر المضنونة ‏‏‏.‏‏‏ فقال ‏‏‏:‏‏‏ فقلت ‏‏‏:‏‏‏ وما المضنونة ‏‏‏؟‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ ثم ذهب عني ‏‏‏.‏‏‏

فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال ‏‏‏:‏‏‏ احفر زمزم ‏‏‏.‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ قلت ‏‏‏:‏‏‏ وما زمزم ‏‏‏؟‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ لا تنزف أبدا ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم ، وهي بين الفرث والدم ، عند نقرة الغراب الأعصم ، عند قرية النمل ‏‏‏.‏‏‏

 قريش تنازع عبدالمطلب في زمزم

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ فلما بين له شأنها ، ودل على موضعها ، وعرف أنه قد صدق ، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبدالمطلب ، ليس له يومئذ ولد غيره ، فحفر فيها ‏‏‏.‏‏‏ فلما بدا لعبدالمطلب الطي كبر ‏‏‏.‏‏‏

 التحاكم في بئر زمزم

فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته ، فقاموا إليه فقالوا ‏‏‏:‏‏‏ يا عبدالمطلب ، إنها بئر أبينا إسماعيل ، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ ما أنا بفاعل ، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم ، وأعطيته من بينكم ؛ فقالوا له ‏‏‏:‏‏‏ فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى ‏‏نخاصمك فيها ؛قال ‏‏‏:‏‏‏ فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه ؛ قالوا ‏‏‏:‏‏‏ كاهنة بني سعد بن هذيم ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ نعم ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ وكانت بأشراف الشام ‏‏‏.‏‏‏

فركب عبدالمطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف ، وركب من كل قبيلة من قريش نفر ‏‏‏.‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ والأرض إذ ذاك مفاوز ‏‏‏.‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام ، فني ماء عبدالمطلب وأصحابه ، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة ، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش ، فأبوا عليهم ، وقالوا ‏‏‏:‏‏‏ إنا بمفازة ، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم ‏‏‏.‏‏‏

فلما رأى عبدالمطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه ، قال ‏‏‏:‏‏‏ ماذا ترون ‏‏‏؟‏‏‏ قالوا ‏‏‏:‏‏‏ ما رأينا إلا تبع لرأيك ، فمرنا بما شئت ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة ، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه ، حتى يكون آخركم رجلا واحدا ، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا ؛ قالوا ‏‏‏:‏‏‏ نعم ما أمرت به ‏‏‏.‏‏‏

فقام كل واحد منهم فحفر حفرته ، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا ؛ ثم إن عبدالمطلب قال لأصحابه ‏‏‏:‏‏‏ والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت ، لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا ، لعجز ، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ، ارتحلوا ، فارتحلوا ‏‏‏.‏‏‏ حتى إذا فرغوا ، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون ، تقدم عبدالمطلب إلى راحلته فركبها ‏‏‏.‏‏‏

فلما انبعثت به ، انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب ، فكبر عبدالمطلب وكبر أصحابه ، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم ، ثم دعا القبائل من قريش ، فقال ‏‏‏:‏‏‏ هلم إلى الماء ، فقد سقانا الله ، فاشربوا واستقوا ‏‏‏.‏‏‏ ثم قالوا ‏‏‏:‏‏‏ قد والله قضى لك علينا يا عبدالمطلب ، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا ، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم ، فارجع إلى سقايتك راشدا ‏‏‏.‏‏‏ فرجع ورجعوا معه ، ولم يصلوا إلى الكاهنة ، وخلوا بينه وبينها ‏‏‏.‏‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ فهذا الذي بلغني من حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه في زمزم ، وقد سمعت من يحدث عن عبدالمطلب أنه قيل له حين أمر بحفر زمزم ‏‏‏:‏‏‏

ثم ادع بالماء الروي غير الكدر * يسقي حجيج الله في كل مبرْ

ليس يخاف منه شيء ما عمر *

فخرج عبدالمطلب ، حين قيل له ذلك ، إلى قريش ، فقال ‏‏‏:‏‏‏ تعلموا أني قد أمرت أن أحفر لكم زمزم ؛ فقالوا ‏‏‏:‏‏‏ فهل بين بي لك أين هي ‏‏‏؟‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ لا ؛ قالوا ‏‏‏:‏‏‏ فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت ، فإن يك حقا من الله يبين لك ، وإن يكن من الشيطان فلن يعود إليك ‏‏‏.‏‏‏ فرجع عبدالمطلب إلى مضجعه فنام فيه ، فأتي فقيل له ‏‏‏:‏‏‏ احفر زمزم ، إنك إن حفرتها لم تندم ، وهي تراث من أبيك الأعظم ، لا تنزف أبدا ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم ، مثل نعام حافل لم يقسم ، ينذر فيها ناذر لمنعم ، تكون ميراثا وعقدا محكم ، ليست كبعض ما قد تعلم ، وهي بين الفرث والدم ‏‏‏.‏‏‏

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ هذا الكلام والكلام الذي قبله ، من حديث علي - رضوان الله عليه - في حفر زمزم من قوله ‏‏‏:‏‏‏ ‏‏‏(‏‏‏ لا تنزف أبدا ولا تذم ‏‏‏)‏‏‏ إلى قوله ‏‏‏:‏‏‏ ‏‏‏(‏‏‏ عند قرية النمل ‏‏‏)‏‏‏ عندنا سجع وليس شعرا ‏‏‏.‏‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ فزعموا أنه حين قيل له ذلك ، قال ‏‏‏:‏‏‏ وأين هي ‏‏‏؟‏‏‏ قيل له ‏‏‏:‏‏‏ عند قرية النمل ، حيث ينقر الغراب غدا ‏‏‏.‏‏‏ والله أعلم أي ذلك كان ‏‏‏.‏‏‏

 عبدالمطلب يحفر زمزم

فغدا عبدالمطلب ومعه ابنه الحارث ، وليس له يومئذ ولد غيره ، فوجد قرية النمل ، ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين ‏‏‏:‏‏‏ إساف ونائلة ، اللذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحها ‏‏‏.‏‏‏ فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر ، فقامت إليه قريش حين رأوا جده ، فقالوا ‏‏‏:‏‏‏ والله لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما ؛ فقال عبدالمطلب لابنه الحارث ‏‏‏:‏‏‏ ذد عني حتى أحفر ، فوالله لأمضين لما أمرت به ‏‏‏.‏‏‏

فلما عرفوا أنه غير نازع ، خلوا بينه وبين الحفر ، وكفوا عنه ، فلم يحفر إلا يسيرا ، حتى بدا له الطي ، فكبر وعرفوا أنه قد صدق ‏‏‏.‏‏‏ فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب ، وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة ، ووجد فيها أسيافا قلعية وأدراعا ؛ فقالت له قريش ‏‏‏:‏‏‏ يا عبدالمطلب ، لنا معك في هذا شرك وحق ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ لا ، ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم ‏‏‏:‏‏‏ نضرب عليها بالقداح ؛ قالوا ‏‏‏:‏‏‏ وكيف تصنع ‏‏‏؟‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ أجعل للكعبة قدحين ، ولي قدحين ، ولكم قدحين ، فمن خرج له قدحاه على شيء كان له ، ومن تخلف قدحاه فلا شيء له ؛ قالوا ‏‏‏:‏‏‏ أنصفت ‏‏‏.‏‏‏

فجعل قدحين أصفرين للكعبة ، وقدحين أسودين لعبدالمطلب ، وقدحين أبيضين لقريش ؛ ثم أعطوا القداح صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل ‏‏‏(‏‏‏ وهبل ‏‏‏:‏‏‏ صنم في جوف الكعبة ، وهو أعظم أصنامهم ، وهو الذي يعني أبو سفيان بن حرب يوم أحد حين قال ‏‏‏:‏‏‏ أعل هبل ‏‏‏:‏‏‏ أي أظهر دينك ‏‏‏)‏‏‏ وقام عبدالمطلب يدعو الله عز وجل ، فضرب صاحب القداح القداح ، فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة ، وخرج الأسودان على الأسياف ، والأدراع لعبدالمطلب ، وتخلف قدحا قريش ‏‏‏.‏‏‏

فضرب عبدالمطلب الأسياف بابا للكعبة ، وضرب في الباب الغزالين من ذهب ‏‏‏.‏‏‏ فكان أول ذهب حليته الكعبة ، فيما يزعمون ‏‏‏.‏‏‏ ثم إن عبدالمطلب أقام سقاية زمزم للحجاج ‏‏‏.‏‏‏